مراتب القراء في المد العارض للسكون

احمد سمير

عضو مجتهد

مراتب القراء في المد العارض للسكون






تعريف المدِّ العارض للسكون:

هو حرف مدٍّ أو لين جاء بعده سكون عارض غير أصلي لأجل الوقف، كالوقف على (العالمينَ)، (الرحيمِ)، (نستعينُ)، (المؤمنونَ)، (السميعُ)، (البصيرُ)....




حكم مدِّه:

حكم مدِّه الجواز لجميع القرَّاء بحيث يجوز فيه ثلاثة: القصر "حركتان" نظراً لعروض السكون وعدم الاعتداد به، والتوسط أربع حركات لمراعاة اجتماع الساكنين مع ملاحظة كون هذا الساكن عارضاً، والطول ست حركات لالتقاء الساكنين اعتداداً بالعارض.




مراتب القرَّاء في المدِّ العارض للسكون:

للقرَّاء في المدِّ العارض للسكون ثلاثة مراتب؛ القصر والتوسط والطول كاللازم لاجتماع الساكنين اعتداداً بالعارض كما تقدم، وتفصيل ذلك [1]:



1. الطول ست حركات: وهو اختيار الشاطبي لجميع القرَّاء، وأحد الوجهين في الكافي، واختاره بعضهم لأصحاب التحقيق كحمزة، وورش عن نافع، والأخفش عن ابن ذكوان من طريق العراقيين، ومن نحا نحوهم من أصحاب عاصم وغيره[2].



2. التوسط أربع حركات: وهو مذهب أبي بكر ابن مجاهد، وأصحابه، واختيار أبي بكر الشذائي، والأهوازي، وابن شيطا، والشاطبي أيضاً، وقال الداني: (وبذلك كنت أقف على أبي الحسن، وأبي الفتح، وأبي القاسم)، وهو الذي في (التبصرة) للمكي، واختاره بعضهم لأصحاب التوسط وتدوير القراءة كالكسائي، وخلف العاشر، وابن عامر في مشهور طرقه، وعاصم في عامة رواياته [3].



3. القصر - حركتان: وهو اختيار الجعبري، والوجه الثاني في الكافي، وكره ذلك الأهوازي، وكذلك لم يرتضه الشاطبي، واختاره بعضهم لأصحاب الحدر والتخفيف فمن قصر المنفصل كأبي جعفر، وأبي عمرو البصري، ويعقوب، وقالون عن نافع. قال الداني: (وكنت أرى أبا علي شيخنا يأخذ به من مذاهبهم، وحدثني به عن أحمد بن نصر) [4].




وقال ابن الجزري: (قلت: الصحيح جواز كل من الثلاثة لجميع القرَّاء لعموم قاعدة الاعتداد لكلِّ ذي مرتبة في اللازم تلك المرتبة وما دونها للقاعدة المذكورة ولا يجوز ما فوقها).




حكم مدِّ اللين العارض للسكون غير المشدد:

كمن يقف القارئ على (الليل) أو (خوف) أو (بيت) أو (الميت) وما شابهها ففيها للقرَّاء كما تقدم ثلاثة أوجه: القصر، والتوسط، والطول. ولكن أقل زمناً من المدِّ العارض للسكون لضعفه وخفته[5].




الأوجه الجائزة في المدِّ العارض الموقوف عليه:

اعلم أن الموقوف عليه إما أن يكون أصله ساكناً أو محركاً، والخلاف بين أهل الأداء في ما كان أصله محركاً وتم الوقوف عليه، وأما الساكن فلا خلاف في أن يقف القارئ على سكون خالص من غير روم أو إشمام[6]، وهذا هو الأصل في الوقف، وينقسم ما كان أصله محركاً إلى أربعة أقسام كما بينها الإمام الشاطبي في منظومته وهي:

القسم الأول: جواز الوقف على سكون محض من غير روم ولا إشمام:

وهو أن يكون مفتوحاً نحو: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أو منصوباً نحو: ﴿ اهْدِنَا الصَّراطَ المُسْتَقِيمَ ﴾ أو هـاء تأنيث نحو: ﴿ مَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ أو ميم جمع نحو: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ أو عارض شكل نحو: ﴿ وَلاَ تَنْسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾. وهذا القسم فيه ثلاثة أوجه المدِّ العارض: القصر والتوسط والطول ولا روم فيه ولا إشمام.




القسم الثاني: جواز الوقف على سكون محض وروم فقط:

وهو أن يكون في المجرور والمكسور نحو: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة 2]، والمكسور نحو: ﴿ هَؤُلآءِ ﴾. وهذا القسم فيه أربعة أوجه: ثلاثة العارض للسكون، والرَّوم مع القصر، وذلك لأن الرَّوم مثل الوصل، وأصل المدِّ العارض عند الوصل كان طبيعياً ففيه حركتان، لهذا كان الوقف بالرَّوم مطلقاً كالوصل أي على المدِّ بحركتين [7].




القسم الثالث: جواز الوقف على سكون محض وروم وإشمام:

وهذا لا يكون إلاَّ في المرفوع والمضموم، فالمرفوع نحو: ﴿ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة 4] هذا في المرفوع، والمضموم نحو: ﴿ وَحَيْثُ ﴾ [البقرة 144]. فهذا القسم فيه سبعة أوجه: ثلاثة على المدِّ بالسكون المحض، وثلاثة على المدِّ بالإشمام، ووجه على القصر مع الرَّوم[8].




القسم الرابع: خاص بهاء الضمير للغائب المفرد المذكر[9]: وهو على سبعة أنواع:

الأول: أن يكون قبل الهاء ضم: نحو: (وأمرُهُ).

الثاني: أن يكون قبل الهاء كسر نحو: (بِهِ).

الثالث: أن يكون قبل الهاء واو: نحو: (عقَلُوهُ).

الرابع: أن يكون قبل الهاء ياء: نحو: (فِيهِ).

الخامس: أن يكون قبل الهاء فتح: نحو: (وَأنَّهُ).

السادس: أن يكون قبل الهاء ألف: نحو: (وهَدَاهُ).

السابع: أن يكون قبل الهاء ساكن صحيح: نحو (فلْيصُمْهُ).




وحكم هذه الأنواع السبعة أنه يجوز الوقف فيها بالإسكان أو الرَّوم أو الإشمام [10]. وسنتناول هذه الثلاثة في ثلاثة مطالب عند البحث عن الوقف على آخر الكلم.




وقد أجزل صاحب الجواهر الغوالي (رحمه الله) هذه الأوجه الجائزة للعارض فقال [11]:

(في العارض الممدود سبعة أتت

إن ضُمَّ نحو نستعينُ قد ثبتْ

مدٌّ توسُّطٌ وقصرٌ سَكَّنا

وأشْمِمْ وزدْ روماً بقصرٍ أُعْلِنَا

وأرْبَعٌ في الجرِّ لا تٌشْمِمْ سَمَا

في النَّصْبِ إسكانٌ كمَا تَقَدَّمَا)



حكم اجتماع مدِّين عارضين للسكون أو أكثر [12]:

1. إذا اجتمع مدَّان عارضان للسكون أو أكثر في حالة القراءة كأن وقف على فواصل سورة الفاتحة مثلاً، فلا ينبغي للقارئ أن يمدَّ أحدهما أكثر أو أقل من الآخر بحجة أن كل مدٍّ عارض للسكون فيه المدود الثلاثة فيمدُّ الأول طويلاً، والثاني قصيراً، والثالث متوسطاً. كلُّ هذا لا يجوز والذي ينبغي التسوية بينها وذلك لأن الثاني والثالث تابعاً للأول.




2. إذا اجتمع مدَّان عارضان للسكون أو أكثر وكان السكون العارض مسبوقاً بحرف لين كأن وقف على فواصل سورة قريش مثلاً فينبغي التسوية في العموم مدّاً وتوسطاً وقصراً ولا يجوز التفرقة بينهما، وهذا ما أشار إليه الإمام ابن الجزري: (واللفظ في نظيره كمثله).




3. إذا تقدم العارض الممدود بحرف المدِّ على العارض الممدود بحرف لين كما لو قرأ القارئ ﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ ﴾ [الشعراء 49 و 50] بأن وقف على (أجمعين) وعلى (لا ضير) في اللين العارض وهو الأخير ستة أوجه لجميع القرَّاء: القصر في (أجمعين) و(لا ضير) معاً، التوسط في (أجمعين) والقصر في (لا ضير). المدُّ في (أجمعين) والقصر والتوسط والطول في (لا ضير) وقد نظم أوجه هذه الحالة العلَّامة الشيخ علي المنصوري (رحمه الله تعالى) فقال:

وكلُّ من أشبع نحو الدِّين

ثلاثة تجري بوقف اللين

ومن يرى قصراً فبالقصر اقتصر

ومن يوسطْه يوسط أو قصر



ومثال تقدم العارض الممدود بحرف اللين على العارض الممدود بحرف المدِّ نحو قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2] بأن وقف على (لا ريب) وعلى (المتقين) ففي العارض الأخير ستة أوجه لعامة القرَّاء وهي: القصر في (لا ريب) عليه المدود الثلاثة في (المتقين)، التوسط في (لا ريب) عليه التوسط والمدُّ في (المتقين)، ثم المدُّ فيهما معاً. وقد نظم أوجه هذه الحالة المحقق الشيخ مصطفى الميهي الأحمدي (رحمه الله تعالى):

وكلُّ من قصر حرف اللين

ثلاثة تجري بنحو الدين

وإن توسِّطه فوسِّط اشبعا

وإن تمُدَّهُ فمُدَّ مُشْبعا



الاستثناءات من السكون العارض [13]:

يستثنى من السكون العارض في الوقف غير المسبوق بحرف المدِّ أو اللين الواو المتحركة بالفتح وصلاً بعد الضم نحو ﴿ لَنْ نَدْعُوَا ﴾ [الكهف 14]، ﴿ لِتَتْلُوَا ﴾ [الرعد 30]، ﴿ هُوَ ﴾، وكذلك الياء المتحركة بالفتح وصلاً الواقعة بعد الكسر نحو ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ ﴾ (الأنفال 42) ﴿ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ ﴾ [المائدة 52] فلا يوقف عليها بالسكون الصحيح وإن كانتا متحركتين بالفتح كما قد يتبادر بل يكونان في الوقف ساكنتين كحرفي المدِّ لوقوع الواو ساكنة إثر ضم والياء ساكنة إثر كسر كما هي القاعدة بخلاف الواو المتحركة بالفتح أو بالضم الواقعة إثر سكون صحيح نحو ﴿ لَهْوَ الْحَدِيثِ ﴾ [لقمان 6] ﴿ لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ [العنكبوت 64]. والياء المتحركة بالكسر أو بالضم الواقعة إثر ساكن صحيح كذلك نحو ﴿ بالوَحْيِ ﴾ [الأنبياء 45]، ﴿ وَحْيٌّ ﴾ [النجم 4] فالوقف عليهما يكون بالسكون الصحيح حينئذ لاندراجهما تحت قاعدة الوقف بسكون المتحرك سكوناً صحيحاً.

المصدر / الالوكه
 
أعلى